4/11/2013 -
قامت حكومات أكثر من 35 دولة ـ بما فيها الولايات المتحدة والبرازيل وأعضاء الاتحاد الأوروبي ـ بوضع سياسات تُشجِّع إنتاج الوقود الحيوي واستخدامه1. هذا التوجه مدفوع بفعل الرغبة في تقليل الاعتماد على واردات الوقود الأحفوري وتخفيض البصمة البيئية المناخية لاقتصاديات هذه الدول. لكن، يظل مدى استفادة المناخ من استبدال الوقود الأحفوري بالوقود الحيوي موضع خلاف بالغ، بسبب عدم توافر أدلة داحضة تُبيِّن أن الوقود الحيوي بالفعل مرتبط بانبعاثات أقل من غازات الاحتباس الحراري منه مقارنة بالوقود الأحفوري، وذلك إذا أُخذ بعين الاعتبار الدورة الكاملة لانتاج الوقود الحيوي واستخدامه. يشير جيلفاند وزملاؤه2 إلى نبات عشبي معيّن ينمو على الأراضي «الهامشية» غير الصالحة حاليا للزراعة، ويمكن استخدامه كمحصول لإنتاج الوقود الحيوي، وهو يؤدي كذلك إلى تقليل انبعاثات غازات الاحتباس الحراري بشكل كبير، مقارنةً باستخدام الوقود الأحفوري، بل وينافس المنافع المستفادة من زراعة محاصيل الوقود الحيوي التقليدية، مثل الذرة الصفراء.
ولَدَى تقييم المنافع المناخية المحتملة للوقود الحيوي، من الضروري تقدير نتائج استخدامات الأرض والسماد المستخدم في زراعة محاصيل الوقود الحيوي3,4، خصوصًا أي تغيرات في كمية الكربون للنظام الإيكولوجي المتأثر بهذه الزراعة، وأي تغيير في انبعاثات أكسيد النيتروز، وهو غاز احتباس شديد التأثير، تنتجه بكتيريا التربة. كذلك من الضروري تحديد ما إذا كانت زراعة محاصيل الوقود الحيوي تُشكِّل تهديدًا للتنوع الحيوي المحلي، أم لدورة الماء والمغذيات5
وإضافة إلى ذلك.. لمّا كانت محاصيل الوقود الحيوي تُزرع حاليا في الأغلب على أراضٍ زراعية خصبة، فقد أثير السؤال حول إمكان إنتاج كميات مفيدة من الوقود الحيوي من دون تهديد إنتاج الغذاء. وقد أُطلق على التضارب الناجم عن ذلك مصطلح «المعضلة الثلاثية: الغذاء، والطاقة، والبيئة»6. لذا.. كي يتقبل المجتمع ذلك، يجب أن يُبيّن أن استراتيجيات الوقود الحيوي تُقلِّل بشكل كبير انبعاثات غازات الاحتباس، دون تهديد إنتاج الغذاء وعلف الحيوانات بفعل التنافس على استخدام الأراضي، وأنها ذات تأثير متدنٍّ على البيئة.
قارن جيلفاند وآخرون محصول الوقود الحيوي، وانبعاثات غازات الدفيئة، والتغيّر في محتوى الكربون في التربة، والطاقة المستهلكة في العمليات الحقلية بين ستة أنظمة من أنظمة محاصيل الوقود الحيوي في الغرب الأمريكي الأوسط خلال 20 سنة. ومن ثم استخدموا هذه البيانات في تقييم صارم للدورة الكاملة للمنافع المناخية لهذه الأنظمة المختلفة. ولما كانت هذه الدراسة قائمة على بيانات ممتدة عبر مدى طويل، فإنها أول تحليل مُقنع لأثر أنظمة إنتاج الوقود الحيوي على الاحترار العالمي. وعلى النقيض من ذلك، اعتمدت الدراسات السابقة إما على النماذج، أو الدراسات قصيرة الأمد لعدد أقل من الأنظمة.
ويُبيّن المؤلفون أن جميع أنظمة محاصيل الوقود الحيوي المُمحَّصة في الدراسة هي محض بالوعات لثاني أكسيد الكربون الجوي، إذا ما أُدرج في التحليل خفض حصص الانبعاثات الناجم عن خفض استخدام الوقود الأحفوري. وهذه الحصص تساوي مجموع انبعاثات ثاني أكسيد الكربون المحتمل تجنبها عند استخدام الوقود الحيوي بدلًا من الوقود الأحفوري، مع الأخذ في الاعتبار انبعاثات إنتاج الوقود الأحفوري وعمليات حرقه7. والمفاجئ أن الباحثين وجدوا أن تخفيف انبعاثات غازات الاحتباس الناجمة عن النبات العشبي البري والموسمي (الشكل 1) ـ خصوصًا النباتات البرية المتعاقبة بالأراضي الهامشية، كالحقول المهجورة ضئيلة الإنتاج ـ كان أكبر كثيرًا من المحاصيل المزروعة بقصد تخفيف الاحتباس، بما في ذلك الذرة الصفراء، ونبات البرسيم الحجازي (الفُصّة)، وشجر الحور، ودورة محاصيل الذرة-فول الصويا-القمح، وأن حجم الطاقة المنتجة كان مماثلًا. وبالإضافة إلى ذلك.. بيّن جيلفاند ورفاقه أن المستويات المعتدلة من السماد النيتروجيني قد تُحسّن إنتاج نظام النباتات البرية بحوالي 50%، وفي مقابل زيادة ضئيلة في انبعاثات أكسيد النيتروز.
<p><b>الشكل 1 | محاصيل الوقود الحيوي البرية.</b> ذكر جيلفاند ورفاقه<sup><a href="#ref2">2</a></sup>&nbsp;أن النباتات العشبية البرية المتعاقبة ـ مثل تلك التي في هذه الصورة ـ هي محاصيل فعالة لإنتاج الوقود الحيوي، وقادرة على تخفيف أضرار غازات الاحتباس بقدرةٍ تنافِس قدرات المحاصيل التقليدية للوقود الحيوي.</p>

G. w P. Robertson, Michigan State Univ. W. K. Kellogg Biological Station
وتمتاز منظومات التتابع النباتي الفطري على بقية محاصيل الوقود الحيوي بميزة كبيرة، هي أنها منتجة رغم القيود التقليدية للتربة والمناخ في أراض الهوامش. وهذا يعني أن الأراضي الهامشية يمكن أن تكون بديلاً ممكنًا لحقول المحاصيل الخصبة في إنتاج الوقود الحيوي؛ مما سيكون مفيدًا للغاية، نظرًا إلى محدودية الموارد الأرضية 8,9.
ولاستكشاف التأثيرات الإقليمية لدراستهم، استخدم جيلفاند ورفاقه مقاربةً حسابية لتحديد الأراضي الهامشية الصالحة لإنتاج الوقود الحيوي عبر عشر ولايات في الغرب الأوسط الأمريكي. وتحديدًا، استخدموا معلومات من قاعدة بيانات جغرافية في نموذج بيولوجي جيولوجي كيميائي (biogeochemical) لتقييم تأثيرات التربة والمناخ على حصيلة الوقود الحيوي.
وأحد القيود على إنتاج الوقود الحيوي هو الحاجة إلى تقليل الطاقة المستهلكة في جمع ونقل المحصول لأقصى حد ممكن. وقد بيّن جيلفاند وزملاؤه أنه نظرًا إلى توزيع الأراضي الهامشية في الغرب الأوسط من الولايات المتحدة، فإن الإنتاج المثالي للوقود الحيوي سيتحقق إذا كانت الكتلة الحيوية قد جُمعت من منطقة، قطرها ثمانون كيلومترًا، تتمركز حول مصافي التكرير. وقد تُنتج استراتيجية إنتاج مثل هذه حوالي 21 مليار لتر إيثانول سنويًّا من 11 مليون هكتار من الأراضي الهامشية. وهذا يعادل حوالي 25% من الهدف الذي يستوجبه برنامج الكتلة الحيوية الذي وضعته إدارة الطاقة بالولايات المتحدة لإنتاج الوقود الحيوي من السليلوز بحلول 2022 (الوقود الحيوي السليولوزي هو ذلك الوقود المنتج من السليولوز الخشبي، وهو مكوِّنٌ رئيس بالخشب والأعشاب). يعادل ذلك وقودًا أحفوريًّا متوقعًا، ينتج نحو 40 تيراجرامًا من حصص ثاني أكسيد الكربون سنويًّا (تيراجرام هي 1210جرامات أو مليون طن) ما يكافئ انبعاثات ثاني أكسيد الكربون من 10 ملايين سيارة متوسطة الحجم، كل منها تقطع 20 ألف كيلومتر سنويًّا. 
إذن، هل سيكون الوقود الحيوي المنتج من التعاقب النباتي الفطري للمحاصيل أمرًا طيبًا؟ قد لا يكون الأمر كذلك. فدراسة جيلفاند وزملائه لا تجيب بوضوح على السؤال حول إمكان استخدام جميع الأراضي الهامشية الملائمة لإنتاج الوقود الحيوي، دون الإضرار بالتنوع البيولوجي والبيئة. وإضافة إلى ذلك.. فالأرض غير المزروعة اليوم قد نكون بحاجة إليها في المستقبل للإنتاج الزراعي؛ تلبية لاحتياجات العدد المتزايد لسكان العالم.
كذلك تطرح الدراسة سؤالًا آخر بخصوص معالجة أضرار غازات الاحتباس. فبالنسبة لأنظمة محاصيل الوقود الحيوي موضع النظر، وجد المؤلفون أنه فيما عدا خفض حصص الانبعاثات الناجمة عن الوقود الأحفوري، فإن زيادة مخزون التربة من الكربون هو الدافع الرئيس للمنافع المناخية، لكن معدل زيادة مخزون التربة من الكربون سيقل مع الوقت، بحيث سيصل المخزون إلى حالة التعادل خلال بضعة عقود10. لذا.. يبدو أن تقييمًا شاملًا للتأثير طويل المدى على المناخ للوقود الحيوي سيتطلب تقييمًا كميًّا لاحتمالات تخزين الكربون في التربة عبر المساحة والزمن.

إرسال تعليق Blogger

 
Top